عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

96

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

من غير أن يراها فإذا استحكم عشقه فمرها أن تتجلّى عليه وتهجره ، فإذا سألها عن السبب في ذلك فتقول له : إني لا أنكح إلا لملك أو لمن يكون له همّة ملك وإن ذلك هو الذي منعني عن مواصلتك . فإذا تمّ هذا كله فأعلمني ، ولا تطلعها على ما أسررته إليك . ثم قال لمؤدّب ولده الملازم له : خوّفه بي وشجّعه على مراسلة الجارية . فلما تمّ ذلك كلّه على ما أمر به بهرام علم الفتى السبب الذي هجرته لأجله الجارية فأخذ في أنواع الأدب وطلب الحكمة وجمع الخصال التي تصلح للملك حتى برع فيها ، وبلغ ذلك إلى بهرام فسرّ به وبعث إلى مؤدّبه أن الموضع الذي وضع ابني فيه نفسه من حب هذه الجارية لا يزري به فمره أن يرفع إليّ أمرها ويسألني أن أزوّجه إياها ، ففعل ذلك فزوّجه إياها وأمر بتعجيل نقلها إليه ، ثم قال له : يا بنيّ لا يضعنّ منها عندك مراسلتها إياك فإني أمرتها بذلك ، وهي أعظم الناس منّة عليك بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلّق بأخلاق الملوك ، ثم إنّ أباه زاد في تكريمه وعقد له الملك بعده . فقد علم من سياق هذه الحكاية وأمثالها أن المحبة تفتح على النفس أبواب الفضائل وتبلغ بها رتب السعادات إما الدنيوية أو الأخروية . والأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى . ولقد تبلغ المحبة بأربابها إلى أحوال تكشف لهم فيها عن أسرار الغيوب ولا سيما غيب المحبوب ، فقد شاهدنا من يخبر محبوبه بكل خفيّ وجليّ من أحوال نفسه ويدعوه من بعد فيجيبه مشاهدة لا يتطرق إليها احتمال . وقد ذكر أهل النقل كثيرا من هذا المعنى ، فلا نطول بذكره : [ من الطويل ] ألاحظه في كل شيء رأيته * وأدعوه سرّا بالمنى فيجيب ملأت به سمعي وقلبي وناظري * وكلّي وأجزائي فأين يغيب فصل : وأما كون محبة الجمال المودع في أنواع الموجودات تنبّه النفوس الزكية عن غفلتها ، ثم تعرج بها إلى عالمها ، ثم منه إلى حضرة القدس ، فاعلم أن جميع ما في هذا العالم الأسفل من بهاء وجمال ونور وإشراق المفرّق على ذوات الموجودات إنما هو أثر أنوار العالم الأعلى ، فمنه هبط ، وعنه أشرق ، ليكون أولا دليلا عليه وموصلا آخرا إليه . فالذي يلوح على الأجسام النباتية من محاسن